اتحاد السلام الصهيوني
أخوية فكرية لصناعة السلام الواقعي
AR 2026-04-04

تحولات الهوية والشرعية في إيران: انعكاسات محتملة على العلاقة مع إسرائيل

تحولات الهوية والشرعية في إيران: انعكاسات محتملة على العلاقة مع إسرائيل

مدخل

لا يمكن فهم العلاقة الإيرانية–الإسرائيلية من خلال الحسابات الأمنية وحدها. فهذه العلاقة، كما تعرضها الورقة، ترتبط ببنية أعمق تشمل الهوية السياسية، ومصادر الشرعية، وطريقة توظيف الدين في الخطاب الرسمي للجمهورية الإسلامية الإيرانية. منذ ثورة عام 1979، لم تعد السياسة الخارجية الإيرانية مجرد امتداد لمصالح الدولة التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بسردية دينية وثورية ترى في العداء لإسرائيل جزءًا من تعريف الذات السياسية للنظام.

لكن هذه السردية الرسمية لا تعبّر بالضرورة عن المجتمع الإيراني كله. فإيران مجتمع متنوع قوميًا وثقافيًا ودينيًا، وتزداد داخله الفجوة بين الدولة بوصفها سلطة دينية–ثورية، وبين شرائح اجتماعية واسعة تبحث عن هوية مدنية أو قومية أو ثقافية مختلفة. من هنا تبرز أهمية السؤال المركزي: هل يمكن للتحولات الفكرية والدينية داخل المجتمع الإيراني أن تعيد تعريف شرعية الدولة، وأن تنعكس تدريجيًا على موقف إيران من إسرائيل؟

الشرعية السياسية بين الدين والثورة والمؤسسة

تقوم شرعية النظام الإيراني على تداخل ثلاثة عناصر: الدين، والثورة، والمؤسسات. الدين يمنح السلطة غطاءً فقهيًا ورمزيًا، والثورة تمنحها سردية تاريخية عن إسقاط نظام الشاه، أما المؤسسات فتمنحها شكل الدولة واستمرارية الحكم. هذا التداخل جعل السياسة الداخلية والخارجية مرتبطة بمنظومة رمزية ترى في الخصوم السياسيين خصومًا أخلاقيين ودينيين أيضًا.

في هذا الإطار، لا يظهر العداء لإسرائيل كخلاف دبلوماسي عابر، بل كعنصر داخل بنية الشرعية نفسها. فوجود “عدو خارجي” يساعد النظام على تعبئة الداخل، وتفسير الأزمات، وتثبيت صورته بوصفه حاملًا لمشروع أكبر من حدود الدولة. غير أن استمرار هذه البنية لا يعني ثبات المجتمع الإيراني خلفها؛ فالاحتجاجات، وتراجع الثقة بالمؤسسات الدينية، ورفض بعض الشعارات الإقليمية، كلها مؤشرات على أن شرعية الدولة لم تعد تُستقبل اجتماعيًا بالطريقة نفسها.

المجتمع الإيراني ليس كتلة واحدة

تؤكد الورقة أن أحد أخطاء قراءة إيران هو التعامل معها ككتلة دينية وسياسية متجانسة. فالمجتمع الإيراني يحمل ذاكرة فارسية، وتجارب قومية متعددة، وتنوعًا مذهبيًا ودينيًا، واحتكاكًا طويلًا بالعالم. لذلك فإن الخطاب الرسمي المعادي لإسرائيل لا يلغي وجود اتجاهات اجتماعية مختلفة، بعضها يرى أن أولويات إيران يجب أن تكون داخلية لا إقليمية.

وقد ظهرت هذه الفجوة في شعارات احتجاجية ركزت على إيران أولًا، ورفضت إنفاق الموارد على جبهات خارجية. كما ظهرت في نقد متزايد للمؤسسات الدينية، وفي تشكيك قطاعات من الشباب في قدرة الخطاب الديني الرسمي على تمثيلهم. هذه التحولات لا تعني بالضرورة تحولًا سياسيًا فوريًا، لكنها تشير إلى وجود أرضية اجتماعية يمكن أن تعيد تعريف العلاقة بين الهوية، والشرعية، والسياسة الخارجية.

الدين كعامل تفاعلي في الصراع

الدين في الحالة الإيرانية ليس مجرد أداة خطابية، بل جزء من هندسة السياسة. تُستحضر الرموز الدينية والتاريخية في بناء الموقف من إسرائيل، وفي تصوير الصراع بوصفه مواجهة أخلاقية تتجاوز حدود المصالح المباشرة. هذا البعد يفسر لماذا يصعب أحيانًا اختزال السياسة الإيرانية في الحسابات البراغماتية وحدها.

ومع ذلك، فإن البعد الديني نفسه قد يحمل إمكانات مختلفة إذا أُعيد توجيهه بعيدًا عن التسييس. فالذاكرة التاريخية للعلاقات الفارسية–اليهودية، والتشابه في تجارب المظلومية، يمكن أن يفتحا مجالًا لخطاب ثقافي وإنساني مختلف عن خطاب العداء الرسمي. لذلك ترى الورقة أن بناء فهم جديد بين المجتمعين الإيراني واليهودي قد يكون أحد مداخل تقليل التوتر على المدى الطويل.

السيناريوهات المحتملة

يمكن تلخيص المسارات المستقبلية في أربعة سيناريوهات رئيسية:

1. الاستمرارية الصلبة

يستمر النظام الإيراني في تصوير إسرائيل كرمز للشر، بينما تستمر إسرائيل في التعامل مع إيران من زاوية السلطة القائمة أكثر من المجتمع. هذا السيناريو يبقي التوتر قائمًا، ويفتح المجال أمام قوى إقليمية أخرى لاستثمار الصراع.

2. تعديل الخطاب دون تغيير الواقع

قد يحدث تراجع لغوي أو إعلامي في حدة الخطاب، من دون تغيير فعلي في بنية الصراع. هذا المسار قد يكون مضللًا لأنه يصنع انطباعًا بالتهدئة، بينما تبقى الأسباب العميقة للتوتر دون معالجة.

3. البراغماتية المؤقتة

يمكن للطرفين الوصول إلى تفاهمات محدودة أو تهدئات مرحلية بحكم المصالح، لكن هذه التفاهمات تبقى هشة إذا لم تُعالج الجذور الفكرية والدينية للصراع.

4. إعادة تعريف الهوية والشرعية

هذا هو السيناريو الأكثر تحولًا. يقوم على تراجع احتكار النظام لتعريف الهوية الإيرانية، وصعود وعي اجتماعي يرى العلاقة مع اليهود وإسرائيل من زاوية ثقافية وتاريخية وإنسانية، لا من زاوية العداء العقائدي. نجاح هذا المسار قد يقلل فرص التصعيد، ويحد من قدرة القوى الإقليمية على استغلال الصراع.

الدلالات السياسية

أهم ما تطرحه الورقة هو ضرورة التمييز بين النظام الإيراني والمجتمع الإيراني. فاستهداف المجتمع بخطاب واحد شامل قد يدفع قطاعات كان يمكن مخاطبتها إلى التراجع أو الانغلاق. أما فهم الفروقات داخل إيران، وبين القوميات والمذاهب والتيارات الاجتماعية في المنطقة، فيتيح مقاربة أكثر دقة للأمن والاستقرار.

وتشير الورقة كذلك إلى أن الفرصة الاستراتيجية لا تكمن في الخطاب العسكري أو الأمني وحده، بل في بناء مسارات ثقافية وإعلامية وسياسية تفتح الباب أمام تقارب طويل المدى مع المجتمع الإيراني، ومع المكونات التي لا ترى في إسرائيل عدوًا وجوديًا. ويشمل ذلك حماية الأقليات، ورفض العقاب الجماعي، وتجنب الخلط بين الشعوب والسلطات، وبين المذاهب والقوميات.

كما تؤكد الورقة أن تجاهل التحولات داخل إيران قد يترك المجال لقوى إقليمية أخرى لتوظيف الصراع بما يخدم مصالحها. لذلك فإن أي سياسة فعالة تجاه إيران يجب أن تجمع بين الحذر الأمني، والفهم الثقافي، والاستثمار في العلاقات الشعبية، وعدم ترك المنطقة تُقرأ من خلال ثنائية مبسطة بين “عدو” و“حليف”.

خلاصة

تخلص الورقة إلى أن العداء الإيراني الرسمي تجاه إسرائيل ليس قدرًا ثابتًا نابعًا من المجتمع الإيراني كله، بل هو نتاج بنية شرعية دينية–ثورية تشكلت بعد عام 1979. ومع اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، تظهر فرصة لإعادة التفكير في العلاقة على أسس مختلفة.

إن فهم إيران بوصفها مجتمعًا متعددًا، لا مجرد نظام سياسي، يفتح بابًا لمقاربة أكثر واقعية. فالتقارب مع المجتمع الإيراني، واستحضار الروابط التاريخية والثقافية مع الشعب اليهودي، والتمييز بين التهديدات الفعلية والشعوب، قد تشكل عناصر أساسية في سياسة طويلة المدى تسعى إلى تقليل التصعيد، وتعزيز الاستقرار، ومنع القوى الإقليمية الأخرى من استثمار الصراع لمصالحها الخاصة.

بهذا المعنى، لا تطرح الورقة تفاؤلًا ساذجًا، بل تدعو إلى قراءة أعمق لمصادر الشرعية والهوية داخل إيران. فالتحولات الفكرية والدينية والاجتماعية ليست تفاصيل داخلية فقط، بل عوامل قادرة على إعادة تشكيل السلوك الخارجي الإيراني، وعلى فتح مساحات جديدة أمام تصور مختلف للعلاقة مع إسرائيل والمنطقة.


Zion Peace Union