اتحاد السلام الصهيوني
أخوية فكرية لصناعة السلام الواقعي
AR 2026-03-10

ماذا فعل ترامب؟

بين رمزية الحدث وقوة الفعل

هل ساعد ترامب إسرائيل فعلاً؟

بعد أن سمعنا ترامب في خطاب الاتحاد ينقل كل فضل الإنجازات في الشرق الأوسط لأمريكا وحدها، أدركنا المفارقة العقلية التي تظهر فعلياً على الأرض، بأن ما اعتُبر نصراً كان في الواقع رمزياً، وليس مساعدة حقيقية لإسرائيل. يمكن القول إن إدارة ترامب أخذت الفضل الإعلامي بالكامل في أحداث مفصلية في الشرق الأوسط، بينما النتائج الواقعية على الأرض كانت أقل تأثيراً.

في غزة، أعلن ترامب أنه أحرز نصراً عن طريق تشكيل مجلس السلام الذي ضم دولاً كانت تدعم حماس وما زالت تفعل، وقدم ذلك على أنه انتصار لإدارته ولإسرائيل. لكن الواقع يظهر أن قدرة حماس على المقاومة لم تُكسر، والصراع على الأرض لم ينتهِ، ما يجعل المكاسب في هذه الحالة رمزية وإعلامية أكثر من كونها استراتيجية فعلية.

أما في سوريا، فقد اعتبرت الولايات المتحدة سقوط نظام بشار الأسد نصراً استراتيجياً. ومع ذلك، فإن هذا الانتصار الرمزي فتح الباب أمام صعود القائد الجهادي الجولاني وميليشيات أخرى، التي تهدد أمن إسرائيل عاجلاً أم آجلاً، لأن هذه القوى لا تفكر وفق المنطق الطائفي وتتهدد بذبح اليهود صباحاً ومساءً، وفق أجندات جهادية متطرفة تتجاوز الحسابات التقليدية للمنطقة. النتيجة أن المكاسب الإعلامية لم تترافق مع استقرار ميداني يحقق الأمن الاستراتيجي لإسرائيل، حتى لو بدا الجولاني غير عدائي تجاه إسرائيل في نمط سلوكه، لكن النقطة التي يغفلها ترامب هي أن هذا الفكر العدائي ليس وليد اليوم، بل جزء متأصل في النصوص الدينية والتاريخية في المنطقة.

في إيران، جاءت حرب الاثني عشر يوماً لتثبت أن ترامب بالغ في تقدير قدرات الولايات المتحدة على الحسم. فقد أعلن عن ضرب منشآت إيران النووية وأنها حُسمت لصالح واشنطن، وادعى أن الحرب انتهت بعد إجبار الطرفين على التوقف. لكن الواقع كشف أن المنشآت النووية لم تُدمّر بالكامل، وأن إيران ما زالت تحتفظ بقدرات تمكنها من تطوير برنامجها النووي، وهو ما أكدته تصريحات لاحقة. هنا يظهر الفرق بين ما يقدمه الحدث إعلامياً وبين القوة الفعلية على الأرض، حيث الدعم الرمزي لا يعادل حماية استراتيجية حقيقية لدولة صغيرة مثل إسرائيل تعتمد على استقرار النظام الدولي وتحالفات عابرة للأحزاب.

كما يجب الإشارة إلى أن ترامب يسعى دائماً للنصر الإعلامي على حساب الواقع. ففي خطاب الاتحاد بدا وكأن كل ما ذكره من أرقام وإنجازات يُظهره الشخص الذي حسم الصراعات الكبرى، وكأن الحديث عن نتائج "حرب عالمية" لم يكن إلا للترويج الذاتي، إذ أن معظم ما تناوله كانت أفكاراً لم تتحقق على الأرض فعلياً بل تصوراته لما يريد أن يحدث. دراسة الأوضاع على أرض الواقع تظهر أن مكاسب إسرائيل الرمزية قد ازدادت بعد مجيء ترامب، لكن أمنها القومي أصبح أكثر تعقيداً، إذ أن السماح بظهور هذا النظام الجهادي في سوريا، وعدم تدمير القوات الإيرانية بشكل كامل، جعل إسرائيل أقل قدرة على تحقيق التوازن في المنطقة، خصوصاً باعتبارها أقلية في محيطها. الفكر الذي انتهجه ترامب في إنهاء المعارك بغض النظر عن المنتصر لا يمكن اعتباره سياسة آمنة لإسرائيل أو للمنطقة، بل هو تهدئة مؤقتة لمشاكل ستنفجر في أي لحظة.

يمكن فهم الموقف بطريقة أفضل إذا أخذنا نقطة محورية من الأحداث في سوريا. فقد أشارت عدة إعلانات إعلامية إلى أن الرئيس ترامب عرض في سوريا خيارين فقط: الخيار الأول هو تقسيم سوريا إلى أقليات عرقية أو طائفية (وهو حل يوصف بأنه أفضل من وجود نظام مركزي جهادي على حدود إسرائيل)، والخيار الثاني هو السماح ودعم القيادة الجديدة في سوريا للحفاظ على سوريا موحدة وتركها تواجه جميع الأخطار. لكن ترامب لم يذكر أي حلول ثالثة أو رابعة، ولم يناقش خيارات أكثر تعقيداً قد تكون أكثر استقراراً على المدى الطويل. الترويج الإعلامي ركز فقط على هذين الخيارين، وهذا تقديم غير دقيق للواقع. الواقع الاستراتيجي يشير إلى أن الحل الأمثل لسوريا كان أن تحكمها سلطة مسيحية أو شيعية ضمن نظام متوافق مع مصالح إسرائيل في المنطقة، بحيث يضمن عدم ظهور قوات تعتبر اليهود عدواً مطلقاً على الأرض، كما تشير النصوص التاريخية والدينية التي تحدد المعايير الأخلاقية والسياسية للتعايش في المنطقة. هذا يظهر الفرق بين الترويج الإعلامي للأحداث وبين الإجراءات الواقعية التي تحقق الاستقرار والأمن الاستراتيجي، ويبرز مدى أن السياسات الرمزية يمكن أن تخفي تعقيدات حقيقية على الأرض. الأمر الذي أدى إلى أن السعودية، كمثال، الآن تراجعت عن الدخول في اتفاقيات أبراهام بعد فوز المحور السني في سوريا، وإذا سمحت إسرائيل وأمريكا للجولاني وميليشياته بالتعرض للشيعة والمسيحيين في لبنان عبر الحدود، سوف نرى وضعاً إقليمياً أكثر تعقيداً في محيط إسرائيل.

أما فيما يتعلق بإيران، فاتبع ترامب ذات المنهجية، بينما كان من الممكن أن يكون الحل إعطاء إيران حصة في العراق وسوريا مع تغيير ممنهج للنظام هناك، وجعله مهتماً بقضايا الأقليات بدل إخراجه من سوريا وتركه يتفق مع المحور السني بأن العدو واحد وهو اليهود. إن قلة فهم ترامب لأهمية الطائفة والأقليات في المنطقة جعله يقع في فخ التغيير لمجرد التغيير، وأظهر ضعفاً شديداً في التفكير الاستراتيجي بعيد المدى.

وهذا الأمر بدا أوضح في أفغانستان، حيث اعتبرت الولايات المتحدة أن مشكلة أفغانستان تم حلها، لكن الحقيقة أن هناك قوة جهادية مركزية كبيرة تركت لها كل المعدات الأمريكية دون حل المشكلة بشكل كامل. السبب هو الاطمئنان إلى المحور السني هناك، واعتقاد أن الجهاديين تم إقصاؤهم، أو أن زعماء التنظيمات تم قتلهم، الأمر نفسه الذي وقع في سوريا تحت إدارة ترامب.

إذا استمرت إدارة ترامب بهذه الطريقة بمحاولة مساعدة إسرائيل، فستجد إسرائيل نفسها بدون أي دعم أمريكي حقيقي، وسينتقل الدعم الأمريكي إلى الكلام فقط. قبل ترامب كان الجمهوريون والديمقراطيون يجدون أن مساعدة إسرائيل أمراً مهماً فيما يتعلق بالأمن القومي، أما الآن فالدعم فقط من الحزب الجمهوري، وخسرت بذلك إسرائيل دعم أغلبية الكونغرس.

إن الشيء الذي أخطأ به ترامب هو اعتقاده أن طريقته في إيقاف المشاكل هي طريقة فعالة، بسبب خوف الدول من القوة الأمريكية، لكن الآن، بنظرة سريعة، سوف نجد أن أغلب دول العالم لم تعد تثق بالقيادة الأمريكية، لأن ترامب حوّل أمريكا إلى بلده الخاص وحسب. يجب على الإدارة الإسرائيلية أن تفهم دوماً أن العدو الواضح هو مشروع صداقة أو مشروع حرب، وكلاهما أمر ممكن التعامل معه، بينما التذبذب الذي نشره ترامب في الدول المحيطة بإسرائيل جعل إسرائيل أمام خطر كبير وعدم ثقة في أي بلد من البلدان التي تتدخل فيها أمريكا لإنهاء صراع أو حرب.

بالمحصلة، ما جرى في غزة وسوريا وإيران وأفغانستان يوضح أن المكاسب الرمزية يمكن أن تكون كبيرة إعلامياً وسياسياً، لكنها لا تضمن النتائج الواقعية على الأرض. ترامب أخذ الفضل في أحداث مفصلية في الشرق الأوسط، لكنه لم يضمن لإسرائيل انتصاراً استراتيجياً حقيقياً، سواء على صعيد الأمن المباشر أو على صعيد القوة الاستراتيجية طويلة المدى، ما يجعل التحليل الواقعي للفعل أهم بكثير من الصور الإعلامية والادعاءات الشخصية.


Zion Peace Union