اتحاد السلام الصهيوني
أخوية فكرية لصناعة السلام الواقعي
AR 2026-05-02

حين يُحَلّ التطرّف بمنح المتطرّفين ما يريدون

عندما يُعالَج الخطأ بخطأٍ أكبر منه

حلّ المشكلات بمشكلات أخرى فن من نوع مختلف؛ فنّ لا يحتاج إلى الإتقان بقدر ما يحتاج إلى غيابه. فبعض الأزمات لا تُحل، بل يُكتفى بنقلها من مكان إلى آخر، أو تغيير اسمها وشكلها، بينما تبقى جذورها كما هي. والأسوأ من ذلك أن بعض الحلول لا تنقل المشكلة فحسب، بل تمنحها مساحة أوسع للنمو.

هناك نمط يتكرر في السياسة الدولية منذ سنوات، نمط يقوم على الاعتقاد بأن التخلص من المشكلة الحالية يكفي، بينما يُترك السؤال الأهم جانبًا: ماذا سيأتي بعدها؟

في أفغانستان، انتهت الحرب الطويلة التي خاضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، لكن النتيجة النهائية كانت عودة حركة طالبان إلى السلطة وسيطرتها على البلاد بعد عقدين من القتال. اختفت مشكلة طالبان وظهرت ”دولة “طالبان المعترف بها دولياً.

وفي لبنان، أدى اغتيال حسن نصر الله إلى فراغات وتحولات أمنية وسياسية دفعت كثيرين إلى الحديث عن تنامي نشاط التيارات والتنظيمات الأخرى المتشددة في بعض البيئات الهشة، وعلى رأسها مدينة طرابلس مرة أخرى.

وفي سوريا، قُدِّم إسقاط النظام السابق باعتباره المدخل إلى مرحلة مختلفة. لكن المشهد انتهى بصعود قيادة يتصدرها أبو محمد الجولاني (المسمى حديثاً بأحمد الشرع)وباتت رايات داعش والنصرة ترفع في كل حي سوري . وهكذا انتقل الصراع من مواجهة خصم لإنهاء تطرفه إلى إعطاءه السلطة التي كان يسعى إليها مع شرعية دولية.

أما في شرق سوريا، فقد اعتُبر مخيم الهول خطرًا أمنيًا متناميًا بسبب وجود آلاف المرتبطين بتنظيم داعش وعائلاتهم داخله. وعندما أصبح المخيم نفسه مشكلة، كان الحل المطروح هو تفكيك جزء من هذه الكتلة البشرية وإعادة توزيعها على دول ومجتمعات مختلفة. وهنا ظهر السؤال ذاته من جديد: هل انتهت المشكلة، أم غادرت مكانها الضيق وتحولت إلى عالمية؟

واليوم يتكرر المشهد مع إيران. فكل جولة من الضغوط أو المواجهات التي كان يُفترض أن تؤدي إلى إضعافها كثيرًا ما انتهت إلى نتائج معاكسة، حيث توسعت قدراتها أو تعزز حضورها الإقليمي أو ازداد تماسك مؤسساتها الأمنية والعسكرية. وكأن محاولة احتواء المشكلة أصبحت جزءًا من أسباب نموها.

وقد تبدو هذه الملفات متباعدة جغرافيًا وسياسيًا، لكن يجمعها خيط واحد: الإيمان بأن إزالة الخطر القائم تكفي بحد ذاتها، حتى لو كان البديل يحمل في داخله بذور خطر أكبر. وهكذا تتحول إدارة الأزمات، في كثير من الأحيان، من محاولة حل المشكلات إلى عملية مستمرة لإنتاج مشكلات جديدة أكثر تعقيدًا من تلك التي سبقتها.

لكن ما يجمع هذه الأحداث ليس تشابه الأطراف ولا تشابه الجغرافيا، بل تشابه طريقة التفكير التي أنتجتها.

فمنذ عودة طالبان إلى الحكم في أفغانستان، مرورًا بالتحولات التي شهدتها سوريا، وصولًا إلى التوازنات الجديدة في لبنان وفلسطين، يظهر نمط متكرر: محاولة حل أزمة التنظيمات عبر منحها ما كانت تسعى إليه أصلًا؛ السلطة أو النفوذ أو الشرعية أو مساحة الحركة.

يُقدَّم هذا النهج غالبًا على أنه واقعي وعملي. ويُقال إن البديل أكثر تكلفة، وإن التسوية الحالية أقل ضررًا من استمرار الصراع. لكن المشكلة أن هذا النوع من التفكير ينظر إلى الأزمة من زاوية ضيقة للغاية؛ فهو يبحث عن إغلاق ملف عاجل، لا عن فهم ما الذي سيحدث بعده بسنوات.

وهكذا تتحول المشكلة من أزمة سياسية قابلة للتفاوض إلى واقع جديد يصعب تغييره. فقبل وصول طالبان إلى السلطة كان الصراع يدور حول من يحكم أفغانستان. أما اليوم فأصبح السؤال مختلفًا: كيف يمكن تغيير هذا الواقع دون حرب جديدة؟

والأمر نفسه يتكرر في حالات أخرى. فحين يتحول تنظيم أو تيار أو حركة إلى سلطة قائمة، يصبح التعامل معه أكثر تعقيدًا بكثير من التعامل معه عندما كان مجرد طرف سياسي أو عسكري من بين أطراف متعددة. ومع مرور الوقت تتشكل حوله شبكات مصالح ومؤسسات وأجهزة وأنصار ومستفيدون، فيتحول تغييره من قضية سياسية إلى أزمة إقليمية كاملة.

ولهذا نجد أن كثيرًا من هذه الملفات انتقلت من مرحلة كانت الحلول السياسية فيها ممكنة، إلى مرحلة أصبحت فيها أي محاولة للتغيير تحمل مخاطر انفجار أوسع من المشكلة الأصلية نفسها. فبدل حل الأزمة، جرى رفع كلفتها وتعقيدها إلى مستوى جديد.

المفارقة أن هذا كله يُقدَّم عادة باعتباره نجاحًا. لكن النجاح الحقيقي لا يُقاس بإنهاء مشكلة اليوم فقط، بل بمنع ولادة مشكلة أكبر غدًا. وما حدث في كثير من هذه الملفات هو العكس تمامًا؛ إذ جرى التعامل مع الأعراض المباشرة للأزمة، بينما تُركت الأسباب العميقة لتنمو وتكتسب قوة أكبر مع مرور الوقت.

فإذا كان مخيم الهول يمثل قنبلة أمنية موقوتة، فإن السؤال ليس كيف نتخلص من المخيم، بل ماذا سيحدث بعد تفكيكه. وإذا كان إسقاط نظام سياسي يمثل هدفًا عاجلًا، فإن السؤال ليس فقط من سيغادر السلطة، بل من سيحل محله. وإذا كان احتواء تنظيم متطرف يمثل ضرورة، فإن السؤال ليس كيف نوقفه اليوم، بل ما إذا كانت الوسيلة المستخدمة ستجعله أقوى غدًا.

المشكلة ليست في أن هذه الأزمات صعبة الحل، بل في أن كثيرًا من السياسات المتبعة تتعامل معها باعتبارها ملفات منفصلة، بينما هي في الحقيقة حلقات ضمن سلسلة واحدة. وفي كل مرة يجري حل أزمة قصيرة الأجل، يولد من رحمها واقع أكثر تعقيدًا وأصعب احتواءً.

وهكذا نجد أنفسنا أمام نمط متكرر: مشكلة تُحل عبر منح أصحابها ما كانوا يسعون إليه منذ البداية، ثم تتحول النتيجة بعد سنوات إلى مشكلة أكبر من تلك التي كان يُفترض أن تُحل.

وهنا يصل المفهوم إلى نقطته الأكثر حساسية، وهي ما يمكن تسميته داخل بعض هذه التنظيمات بـ”عقيدة التمكين”.

فوفق هذا التصور، لا يُنظر إلى التمكين بوصفه غاية نهائية، بل باعتباره وسيلة ضمن مسار أطول. أي أن الوصول إلى السلطة أو النفوذ ليس نهاية المشروع، بل مرحلة تتيح الانتقال إلى مرحلة أوسع، وأكثر انتشارًا، وأكثر رسوخًا.

وبهذا المعنى، يصبح ما يراه البعض “احتواءً” أو “تسوية” أو “حلًا عمليًا” جزءًا من مسار مختلف تمامًا في نظر هذه التنظيمات؛ مسار يقوم على تحويل الفرصة المؤقتة إلى قاعدة دائمة، واستثمار الواقع الجديد لتوسيع الحضور بدل تقليصه.

ومن هنا تتضح الإشكالية الأساسية في هذا النوع من إدارة الأزمات. فحين تُبنى السياسات على افتراض أن التمكين يؤدي إلى الاعتدال، بينما يُبنى الطرف الآخر على اعتبار التمكين خطوة في مشروع أوسع، فإن النتيجة الطبيعية تكون اختلالًا في فهم الهدف من القرار نفسه.

فما يُعتبر في العقل السياسي التقليدي نهاية للصراع، قد يُفهم في بنية هذه التنظيمات كبداية لمرحلة جديدة.

ومن موقع مراقبة لهذه الأحداث، لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان خطأً بالضرورة، فبعض الشخصيات والأنظمة التي أُزيلت كانت تمثل بالفعل مشكلات حقيقية. لكن الإشكال لا يكمن في إزالة هذه الوقائع بحد ذاتها، بل في المنهج الذي جرى اتباعه في التعامل معها.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا تستمر هذه التنظيمات في الظهور، بل لماذا تستمر السياسات نفسها في منحها الفرص ذاتها.

فكل الأمثلة السابقة، من أفغانستان إلى سوريا، ومن مخيم الهول إلى ملف الهجرة، تشترك في نقطة واحدة: الاعتقاد بأن معالجة الأزمة الحالية تكفي، دون دراسة ما إذا كانت الوسيلة المستخدمة ستمنح أصحاب المشروع نفسه أدوات أقوى لمواصلة التوسع لاحقًا.

وربما لهذا السبب تبدو بعض الأحداث وكأنها أخطاء متكررة، بينما قد يراها أصحاب تلك التنظيمات إنجازات متراكمة. فما يراه طرف تنازلًا اضطراريًا، قد يراه الطرف الآخر خطوة إضافية نحو هدف أبعد.

وفي النهاية، قد يكون السؤال الأهم الذي يجب طرحه ليس: كيف نحل الأزمة الحالية؟ بل: ما الذي سيبدو عليه العالم بعد عشر سنوات من هذا الحل؟

لأن التاريخ مليء بالأزمات التي انتهت، لكنه مليء أيضًا بالحلول التي صنعت أزمات أكبر منها… وهنا تبدأ القصة الحقيقية.


Zion Peace Union